|
|
69/ تحقيقات/جبال الخشابية في معان تكشف أقدم المصائد الحجرية عالميا
|
عمان 17 شباط (بترا) بشرى نيروخ- توصل باحثون في "مشروع البادية الجنوبية الشرقية" إلى أدلة علمية قاطعة تثبت أن المصائد الحجرية في جبال الخشابية شرق الجفر بمحافظة معان هي الأقدم من نوعها في العالم، متجاوزة بآلاف السنين أقدم الشواهد المعروفة لهذه المصائد في مناطق النقب وسيناء وسوريا. وتؤرخ هذه المصائد في تلك المناطق تقليديا بين الألف الخامس والألف الرابع قبل الميلاد، فيما تظهر نتائج مشروع البادية الجنوبية أن جذور منشآت الصيد أقدم بكثير من ذلك التاريخ المستقر في الأوساط العلمية، ما يدفع إلى إعادة النظر في التسلسل الزمني لتطور تقنيات الصيد الجماعي في عصور ما قبل التاريخ. وتعود المصائد الحجرية في جبال الخشابية إلى نحو 9000 عام، إلى أواخر العصر الحجري الحديث (الفترة ب)، بحسب دراسة نشرتها مجلة العلوم الأثرية والأنثروبولوجية، وهي دراسة مبنية على تعاون علمي بين جامعة الحسين بن طلال والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى وجامعة ليون 2، وشارك فيها فريق كبير من المتخصصين في الآثار. وقال مدير عام دائرة الآثار العامة، الدكتور فوزي أبو دنة، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن هذه النتائج لا تكتفي بفك رموز الماضي، بل تعيد صياغة مساهمة الأردن في الحضارة الإنسانية عبر الكشف عن "الثقافة الغسانية" التي ظلت طي الكتمان لعصور. وأضاف أن النتائج الجديدة حول مصائد جبال الخشابية حسمت جدلا بين العلماء حول أقدم المصائد الحجرية، إذ كانت فرق عملت في النقب بفلسطين تدافع عن فكرة أنها لا تتجاوز، على أبعد تقدير، الألف الخامس قبل الميلاد، ولم يكن هناك دليل يثبت أنها يمكن أن تعود إلى هذه المرحلة المبكرة. ولفت إلى أن بلوغ المصائد الحجرية عتبة 9 آلاف عام يثبت ريادة الأرض الأردنية في هذا الابتكار الذي ربما انطلق منها إلى العالم، مبينا أن دائرة الآثار تعمل مع الجانب الفرنسي لعرض هذه المكتشفات في المتاحف الأردنية لتشكل نقطة جذب عالمية، خاصة أنها باتت محور اهتمام برامج وثائقية دولية تعرض في أوروبا وأميركا وأستراليا، ما يفتح آفاقا جديدة للترويج السياحي للمملكة. وبين أبو دنة أن هذا الإنجاز يعد ثمرة لجهود بحثية ممنهجة تهدف إلى توثيق التراث الحضاري الأردني وإبراز دوره المحوري في رواية التاريخ الإنساني، ما يعزز مكانة الأردن مركزا عالميا للدراسات الأثرية والأنثروبولوجية. بدوره، أكد أستاذ الآثار في كلية البترا للسياحة والآثار بجامعة الحسين بن طلال، الدكتور محمد الطراونة، أن النتائج المخبرية الدقيقة من الولايات المتحدة وألمانيا رسخت حقيقة أن مصائد جبال الخشابية هي "أقدم المباني الضخمة" في المعمورة، كاشفا عن العثور على منشآت طقسية نادرة داخل مساكن الصيادين الغسانيين في هذه الجبال. وبين أن هذا الاكتشاف لا يضيف بعدا زمنيا جديدا فحسب، بل يعيد رسم الخريطة المعرفية لنشاط المجتمعات القديمة في البادية الأردنية، مؤكدا أن الموقع يمثل شاهدا استثنائيا على الإبداع البشري المبكر في استغلال الموائل الصحراوية. ويعرف الطراونة، وهو عضو فريق الدراسة البحثية، المصائد الحجرية بأنها مبان استخدمت للصيد، واكتشفت للمرة الأولى في البادية الأردنية بعد عام 1930، مبينا أنه أطلق عليها اسم "مصائد الطائرات الورقية" لأن شكلها يشبه الطائرة الورقية من الجو. وقد أحصي منها حتى الآن ما يزيد على 6300 مصيدة في عدة دول، وتتركز أغلبها في البادية الأردنية الشمالية الشرقية. وبين أن هذه المصائد تتألف من غرفة نجمية الشكل يبلغ متوسط قطرها 200 متر، وفي زواياها الخارجية المدببة غرف صغيرة يبلغ قطر كل منها نحو 4 أمتار، وينطلق من الغرفة الكبيرة جداران أو أكثر أحيانا، يبتعدان عن بعضهما كلما ابتعدا عن الغرفة. وكانت هذه الجدران تستخدم لحصر الحيوانات بعد تخويفها داخل الغرفة الكبيرة، ثم إيقاعها في الغرف الصغيرة. ويشير الدليل الأثري إلى أن هذه المصائد في البادية الأردنية استخدمت لصيد الغزلان. وأكد أن الأدلة تظهر امتلاك هذه المجتمعات البشرية المبكرة فهما متقدما لسلوك الحيوانات، ويكشف الموقع الاستراتيجي لهذه المصائد وتوقيت عمليات الصيد عن مهارات ملاحظة دقيقة لاستغلال أنماط الهجرة الطبيعية للحيوانات، وهي معرفة كانت ضرورية لتعظيم كفاءة الصيد وتأمين الموارد الغذائية بوصفها عاملا حاسما في بقاء المجتمعات البشرية المبكرة. ولفت إلى أن دلالات هذا البحث تتجاوز حدود الأردن، إذ يتيح تحديد تسلسل زمني وسياق أوضح لاستخدام المصائد الصحراوية، وإجراء مقارنات مع مواقع أثرية مماثلة في مناطق مختلفة، ما يمكن من دراسة أوسع لسلوك الإنسان في عصور ما قبل التاريخ عبر بيئات متنوعة. من جانبه، بين مدير مشروع الدراسة البحثية من الجانب الفرنسي، الأستاذ المشارك في جامعة ليون 2 الدكتور وائل أبو عزيزة، أن الدراسة المنشورة في مجلة العلوم الأثرية والأنثروبولوجية أرست إطارا زمنيا متينا يحسم جدلا طويلا، مؤكدة ظهور مصائد "الطائرات الورقية الصحراوية" في أواخر الألفية الثامنة قبل الميلاد. وإلى جانب الدقة الزمنية، كشفت نتائج الدراسة أن هذه المصائد لم تكن صدى لثقافات الهلال الخصيب "المركزية"، بل ولدت كابتكار محلي أصيل نبع من المناطق الصحراوية جنوب الأردن، مجسدة معرفة بيئية عميقة وخبرة فذة بسلوك الحيوان، وفقا لأبو عزيزة. وقال إن هذه الدراسة أثبتت أن هذه المنطقة كانت فضاء ديناميكيا للإبداع التكنولوجي في العصر الحجري الحديث، إذ تطلب بناء هذه المنشآت الضخمة عملا منسقا وتخطيطا عبقريا مرتبطا بالمشهد الطبيعي، ما يشير إلى أن تلك المجتمعات كانت لاعبا فاعلا في التحولات الاقتصادية والاجتماعية الإقليمية، ولم تكن معزولة عن جيرانها من المجتمعات الزراعية المستقرة. وبين أن ترسيخ تاريخ هذه المصائد ضمن "العصر الحجري الحديث المتأخر ما قبل الفخاري (ب)" يسلط الضوء على تنوع المسارات الحضارية في الشرق الأدنى، ويبرهن أن شعلة الابتكار لم تنبثق من الحقول الزراعية فحسب، بل انقدحت أيضا من براعة المجتمعات الصحراوية وقدرتها على التكيف التقني، لتلعب دورا جوهريا في صياغة الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت وجه التاريخ القديم. وبين أبو عزيزة أن الحجارة الصماء تحولت على أرض المشروع من ركام يمتد كأذرع عملاقة لعدة كيلومترات، لتصبح البادية الأردنية، مسرحا لأول استراتيجية صيد جماعي مبتكرة تستخدم مباني ضخمة، حيث حلل الباحثون ثمانيا وعشرين عينة مخبرية عبر تقنيات "التأريخ بالكربون المشع" و"التهيج الضوئي". ولفت إلى أن المصائد لم تبن عشوائيا، بل صممت استراتيجيا لتوجيه قطعان الغزلان نحو حتوفها، في وقت كانت فيه مجتمعات أخرى تستقر في قرى زراعية غربا، مثل عين غزال وبسطة، ما دفع الباحثين إلى إطلاق اسم "الثقافة الغسانية" على هذا المجتمع الصياد نسبة إلى طلعة الشيخ غسان عدوان أبو تايه في المنطقة. وأشار إلى أن التنقيبات الأثرية كشفت عن "أثر الحياة" في مساكن الصيادين وبقايا أخشابهم المتفحمة، ما يبرز نسيجا اجتماعيا معقدا قام على التعاون والتخطيط الفائق لترويض بيئة صحراوية قاسية. وأكد أن تلك المجتمعات لم تكتف بالعيش في البادية، بل امتلكت فهما متقدما لسلوك الحيوان وهجرته، لتصوغ بأيدي أفرادها أولى تجارب الابتكار البشري التي وضعت الحجر الأساس للحضارة على هذه الأرض. --(بترا) ب ن/ن ح
17/02/2026 17:48:33
|