| |
|
77/ تحقيقات/ مكتبة المسجد الأقصى.. قصة صمود تاريخي ورعاية هاشمية
|
عمان 10 آذار (بترا) بشرى نيروخ- تُجرِّد مكتبة المسجد الأقصى التاريخية الإحتلال الإسرائيلي من سلاح الحصار الذي يضربه عليها، وتفسد عليه مخططاته لطمس هويتها، بفضل سياج الرعاية الهاشمية وقوة شكيمتها لتظل معلمًا خالدًا عصيًّا على الاندثار، كما كانت من قبل على مدى تاريخها. ووفرت الرعاية الهاشمية دون كلل سياجاً يحمي كنوز المكتبة كي تواصل دورها منارةً حضاريةً تقاوم التهويد وتحفظ الذاكرة العربية والإسلامية لبيت المقدس وأرض فلسطين، فمنذ أن تولى الهاشميون الوصاية على المسجد الأقصى، كان لهم دور بارز في رعاية مكتبة المسجد الأقصى. وتقع مكتبة المسجد الأقصى في الجزء الغربي منه بجانب المسجد القبلي؛ بين المصلى القبلي والمتحف الإسلامي. وبينما يحتفل العالم اليوم الثلاثاء باليوم العربي للمكتبات ومراكز مصادر التعلم إيمانًا بأهمية المكتبات كجسور للمعرفة وأدوات رئيسة لحفظ التراث الثقافي العربي.، تبرز أهمية مكتبة المسجد الأقصى المبارك كواحدة من أعرق المكتبات العربية والإسلامية التي حفظت التراث العربي والإسلامي، كما يؤكد متحدثون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) الكاتب والباحث المتخصص محمد الشامي يقول، منذ أن فتح الفاروق عمر بن الخطاب القدس عمل العديد من الصحابة والتابعين على شد الرحال إليها والبقاء فيها، وتشهد قبورهم في القدس والمسجد الأقصى بذلك، مشيرا الى أن هؤلاء الصحابة والتابعين كانوا يعلمون أهالي المدينة المقدسة القرآن وينشرون الحديث النبوي الشريف، وحملوا معهم المصاحف ووضعوها في خزانة خاصة بالمسجد الأقصى لمن يريد الاطلاع عليها، فكان ذلك باكورة مكتبة المسجد الأقصى. ويؤكد بعنوان "دور مكتبة المسجد الأقصى في حفظ المخطوطات والكتب وخدمة طلاب العلم في ظل الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى" أعده الباحث محمد الشامي وصدر بشكل مجلد عن دائرة المكتبة الوطنية قبل شهر تضمن أبحاث المؤتمر الدولي الأول: المكتبات الوطنية ودور المحفوظات في حفظ الذاكرة الوطنية في بيئة رقمية متغيرة، أن "تاريخ خزائن الكتب في المسجد الأقصى يعود إلى القرنين الثالث والرابع الهجريّين على التوالي، فقد ذكر ابن الفقيه في كتابه 'البلدان' الذي ألّفه عام 290 هـ/ 902 م، أنّ للأقصى في زمنه ستّة عشر (صندوقًا) للمصاحف. وأشار البحث إلى ان مكتبة المسجد الأقصى ظلت على الدوام أرشيفا تاريخيا، كونها ضمت آلاف المخطوطات والكتب والوثائق التي تعد أرشيفا لفلسطين منذ العصر الاسلامي الأول مرورا بالعهد العثماني ثم العهد الأردني. وقال، رغم ما أصاب المكتبة من تلف وتدمير مارسه الاحتلال الإسرائيلي إلا أنها بقيت محتفظة بقيمتها ومكانتها التاريخية لتؤرخ لفلسطين عامة وللعاصمة القدس خاصة. وبين أن المكتبة انطلقت بعدد من المصاحف عبر خزانة تجمعها ثم زادت المصاحف والكتب إلى أن تعرضت القدس لهجمة استعمارية في العام 1099 عملت على إتلاف أغلب هذه المصاحف والكتب، ثم دار الزمان الى أن حرر صلاح الدين الأيوبي المسجد الأقصى فأعاد له الحياة وأنشأ المدارس وأعاد الحياة للمكتبة التي بدأت تستقبل الكتب من مخختلف بقاع الدنيا. وتتميز مكتبة المسجد الأقصى عن المكتبات الأخرى، أنّها تعدّ الأغنى من بين مكتبات فلسطين بكتب العلوم الدينيّة، وفق شهادات أساتذة الجامعات والباحثين، بالإضافة إلى مجموعة "فلسطينيّات"، والتي تضمّ كتبًا وموسوعات غنيّة حول تاريخ فلسطين وكلّ ما يتعلّق بها. وأوضح الشامي أن مهنة النسخ كانت أهم مراحل صناعة الكتاب وأكثرها تكلفةً وشكّلت تلك المهنة مصدر رزق حتى لبعض أكابر العلماء، حيث كانوا يمارسون النسخ في أوقات فراغهم في المسجد الأقصى أو في مدارسهم ومنازلهم، واكتسب غالبية الناسخين قدراً عالياً من العلم جراء نسخهم لمختلف أنواع الكتب، وتعاملهم مع العلماء، مشيرا الى ما أضافه الناسخ عمر بن عبد اللطيف باب الدين على كتاب الوحدة المطلقة بعد إتمامه عام 1811 م. وقال، منذ أن تولى الهاشميون الوصاية على مدينة القدس، عملوا جاهدين على خدمة المقدّسات بمدينة القدس ومنها المسجد الأقصى، مشيرا الى أن من الدوائر المهمة في المسجد الأقصى كانت مكتبة المسجد الأقصى التي أولاها الهاشميون عناية خاصة لما ضمت من مختلف أنواع المخطوطات والكتب والوثائق. وبين الشامي أن المكتبة شهدت تحت الرعاية الهاشمية سلسلة تطورات لتعميق وتعزيز دورها في حفظ التراث والمخطوطات والكتب وخدمة طلاب العلم مع تطور الإدارات، وتركز الاهتمام أكثر على مكتبة المسجد الأقصى في ظل ما تعانيه من احتلال إسرائيلي غاشم، ومع دخول عصر الحوسبة والإنترنت زادت الخدمات وتيسرت المطالعة للباحثين وبقي العمل فيها مستمرًا حتى الآن، ومن أبرز أدوارها، أن المكتبة عملت على توفير وإعداد مستودع خاص للمخطوطات وَفْق المواصفات العلمية والمعايير الدولية المتبعة لحفظ المخطوطات. كما وفر الصندوق الهاشمي جهاز تصوير خاص بالمخطوطات بالإضافة للخزائن الحديدية الخاصة بحفظ المخطوطات وغير ذلك، كما شرعت مكتبة المسجد الأقصى بتصوير جميع مخطوطاتها، لتكون متوفرة فور الانتهاء من التصوير على موقع إلكتروني خاص؛ لينتفع منها الباحثون في شتى أنحاء المعمورة. وعملت المكتبة كذلك على توفير فهرس مخطوطات صدر منها الأجزاء الأول الثاني والثالث، وذلك للتسهيل على الباحثين وطلاب العلم العثور على أي مخطوطة، كما اشتمل فهرس المخطوطات على تصنيف المخطوطات حسب التخصص، ووصف كل مخطوطة وعدد الأوراق وجودة المخطوطة وتوفرها أو عدمه في مكتبات أخرى، وبيان كونها مطبوعة أولا. من جهتها عملت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الأردنية على إنشاء موقع إلكتروني خاص بمكتبة المسجد الأقصى، ويمكن لزائر الموقع الاطلاع على كل ما يتعلق بالمكتبة من عناوين مخطوطات ومقتنيات ومواعيد دوام المكتبة ونظام الإعارة فيها وكذلك نظام الدورات التدريبية. ويعقد في المكتبة دورات تدريبية في العلم الشرعي واللغة العربية، إضافة إلى عقد دورات وأنشطة متنوعة تربط الماضي بالحاضر، وتعريف بالمكتبة او المخطوطات أو تاريخها أو عقد دورات لشرح كتب دينية أو لغوية، كما تم إنشاء مركز ترميم المخطوطات بمكتبة المسجد الأقصى. وتتركز المهمة الرئيسية للمرمم المختص في ترميم المخطوط؛ على وقف الإصابة التي ابتليت بها المخطوطة, سواء على مستوى الفطريات أو الآفات الحشرية أو البكتيرية. وفي نهاية عام 2013 تم إضافة هذه المكتبة إلى إدارة المكتبة الختنية الكائنة في الزاوية الختنية (في الأقصى القديم)، لتصبحا معاً مكتبة المسجد الأقصى، لكل منهما تخصص معين. وتواجه مكتبة المسجد الأقصى تحدي قيود الترميم الممنهجة، حيث تخضع أي حركة إصلاحية داخل أسوار المسجد لرقابة مشددة من أمن الاحتلال لمنع تأهيل المكان أو توسعته، وجعل أبسط عمليات الصيانة رهينةً بقرار لمزاجية إدارة الاحتلال. وتتصاعد المعاناة في الجانب اللوجستي، إذ تفرض قوات الاحتلال سيطرة كاملة على الأبواب، ما يعيق إدخال الكتب والأجهزة والآلات الضرورية للتشغيل اليومي. ويخضع كل مصدر معرفي أو قطعة أثاث لفحص أمني دقيق ومماطلة طويلة في إصدار التصاريح، ما يعطل تحديث المكتبة ومواكبة التطور الرقمي الذي تدعو إليه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو). ويبرز العزل الجغرافي كأحد أخطر المعيقات، حيث يُحرم الباحثون والطلبة من الوصول إلى خدمات المكتبة بسبب سياسة المنع وتحديد الفئات العمرية حيث يحول هذا الحصار دون وصول أساتذة وطلاب جامعات عريقة كجامعة "القدس" وجامعة "بيرزيت" إلى أمهات الكتب والمخطوطات النادرة التي لا مثيل لها في العالم، ما يحول المكتبة إلى كنز محاصر بعيد عن أيدي طُلاب العلم. وبحسب الموقع الالكتروني لإدارة أوقاف الأقصى وشؤون المسجد الأقصى المبارك، تعود نشأة مكتبة المسجد الاقصى إلى العصر الايوبي حيث كانت تسمى بـ "خزانة كتب المسجد الأقصى" وكان موقعها في قبة الصخرة. وفي عام 1922 أعاد المجلس الإسلامي الأعلى افتتاح المكتبة وجمع المخطوطات وأضاف اليها المطبوعات والمخطوطات من خارج المكتبة ونقلها الى مبنى المدرسة النحوية. ثم أعادت (دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس الشريف) افتتاح المكتبة عام 1976، وكان موقعها في الطابق السفلي من المدرسة الأشرفية – جامع الحنابلة بالمسجد الأقصى المبارك سابقًا. ثم نقلت أخيرًا إلى مسجد النَّساء عام 1420هـ/2000م. وتحتوي المكتبة على نحو 4000 مخطوط، من بينها عدد كبير من المصاحف، وعدد من المخطوطات باللغة التركية العثمانية، 80 % منها منسوخ في الفترة العثمانية، كما تحتوي على آلاف الكتب والمجلات المطبوعة قبل حوالي 100 سنة، وهي طبعات نفيسة فضلا عن المطبوعات الحديثة، والتي تقدر بأكثر من 160 ألف كتاب، في مختلف الموضوعات. يشار إلى أنه يتم الاحتفال باليوم العربي للمكتبات ومراكز مصادر التعلم في العاشر من آذار من كل عام، برعاية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، تعزيزا لدور المكتبات في نشر المعرفة، ولتشجيع القراءة والبحث العلمي، وتحديث مؤسسات المعرفة لتواكب العصر الرقمي. --(بترا) ب ن/ اح
10/03/2026 21:15:09
| |
|
|